طرج الدكتور حمدي حسن أستاذ العلوم السياسية في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة زايد، عددًا من السيناريوهات التي ستتعامل بها مصر مع أزمة سد النهضة الإثيوبي، بعد أن تحول الصراع من منع البناء إلى التعامل مع الوضع الراهن.
وقال حسن في تحليل نشره موقع "إلكترونيك إنترناشيونال ريليشن" (E-International Relations)، إن الخيار الأبرز أمام الدبلوماسية المصرية لمواجهة المقاومة الإثيوبية بشأن سد النهضة هو تقديم شكاوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي، باعتبار الأزمة تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، وفقًا للمادتين 34 و35 من الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة.
وأوضح أن "هذا يعني أن مصر فضّلت الإجراءات السلمية لحل النزاعات الدولية، بما في ذلك التفاوض والوساطة، ثم إحالة الأمر إلى مجلس الأمن. وبحسب الفصل السابع، يمكن للمجلس التحقيق فيما إذا كانت المشكلة تهدد السلم والأمن العالميين. وبموجب الفصل السابع ، يمكن للمجلس في نهاية المطاف فرض السلام وإصدار قرارات ملزمة وقابلة للتنفيذ".
وفقًا للأكاديمي المصري، "قد تسعى الدبلوماسية المصرية إلى الاستفادة من المحافل القانونية الدولية عبر تقديم اعتراضات رسمية إلى الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية بشأن انتهاكات الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالأنهار. وكما ورد في كتابي "سياسة مصر المائية"، فقد أكدتُ أن اتفاقية عنتيبي تنتهك المبادئ الأساسية لقانون المياه العابرة للحدود وتتجاهل المعاهدات القائمة، وهو موقف من المرجح أن يحظى بدعم الهيئات الدولية".
لكنه أكد أن مدى ملاءمة محكمة العدل الدولية أو غيرها من الهيئات القانونية لحل النزاعات المتعلقة بالمياه العابرة للحدود لا تزال غير مؤكدة. أولاً، تتطلب هذه الهيئات موافقة الطرفين لتطبيق اختصاصها الإلزامي. ثانيًا، في حين أن المادة 94 من ميثاق الأمم المتحدة تسمح باللجوء إلى مجلس الأمن إذا تجاهل أحد الأطراف حكماً نهائياً، إلا أنه لا يوجد إجراء مماثل للتدابير المؤقتة التي تصدرها المحكمة.
وفي سياق تساؤله: ما الذي دفع مصر إلى طلب تدخل مجلس الأمن مجددًا في سبتمبر 2025؟، قال حسن: "يكمن الجواب الأساسي في حالة الجمود الواضحة التي اتسمت بها المفاوضات بين الأطراف الثلاثة المعنية. فكل طرف متمسك بموقفه، رافضًا بشدة تقديم أي تنازلات، مهما كانت ضئيلة. وتستند هذه الديناميكية إلى مفاهيم سائدة كالتنافس الصفري، والخطوط الحمراء، والمصالح الوطنية العليا، مما يُضفي على عملية التفاوض قيمًا متضاربة واعتبارات أيديولوجية".
وأوضح أن هذه المفاوضات، بما فيها تلك التي عُقدت برعاية الاتحاد الأفريقي وخلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أظهرت خلافات جوهرية متكررة حول المبادئ الأساسية، مما جعلها ظاهريًا عديمة الجدوى أو أشبه بـ"حوار الصم".
وبين أنه من وجهة نظر مصر، تجاهلت إثيوبيا الاتفاقيات السابقة، ولا سيما إعلان المبادئ لعام 2015 ، مؤكدةً أن خططها لإكمال السد وتشغيله لم تتأثر. تشير هذه التطورات إلى أنه يمكن تحليل الوضع بشكل فعال باستخدام نظرية الألعاب، وتحديدًا معضلة الدجاجة، وهو إطار مفاهيمي يقدم رؤى قيمة حول المأزق الاستراتيجي والسبل المحتملة للحل.
حروب المياه
مع استنفاد الجهود الدبلوماسية، ونظرًا لأن قضية المياه مسألة حياة أو موت بالنسبة لمصر، فقد يصبح الخيار العسكري احتمالًا لا يمكن استبعاده، كما يشير المحلل المصري.
وصرّح الرئيس دونالد ترامب أكثر من مرة بأن مصر ستفجّر السد الإثيوبي. ومن المعروف أن نهر النيل حيوي لمصر، إذ تعتمد عليه جميع الأنشطة الزراعية والصناعية والمنزلية بشكل أساسي. ولهذا السبب، تشعر جميع الحكومات المصرية بالقلق إزاء إمكانية عرقلة أو منع تدفق مياه النهر قبل وصولها إلى الأراضي المصرية.
خطط تصعيدية
قد يلجأ صناع القرار المصريون، كبديل، إلى نهج احتواء استراتيجي للحد من النفوذ الإثيوبي في منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل الأوسع. ونظرًا للخلافات المحيطة باتفاقية عنتيبي ومشروع سد النهضة، فإن أي نهج تصعيدي يجب أن يأخذ في الحسبان التداعيات الجيوسياسية الكبيرة وتزايد خطر زعزعة الاستقرار الإقليمي على نطاق أوسع.
أولًا، يُمثل سعي مصر لتعزيز شراكاتها الاستراتيجية في القرن الأفريقي، ولا سيما اتفاقيتها الأمنية مع الصومال، آليةً لممارسة نفوذ عسكري وسياسي غير مباشر على إثيوبيا دون اللجوء إلى المواجهة المسلحة الصريحة. فمن خلال الاستفادة من تحالفاتها مع إريتريا وجيبوتي والصومال، تُرسّخ مصر مكانتها ضمن بنية أمنية إقليمية قادرة على ردع أي تحرك إثيوبي أحادي الجانب، وتعزيز المخاوف المصرية بشأن عمليات سد النهضة.
ثانيًا، تُتيح عضوية الدولتين في الاتحاد الأفريقي ومجموعة البريكس سُبلًا للضغط الدبلوماسي دون اللجوء إلى التصعيد العسكري. ويُوفر دور مصر الفاعل في بعثات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي، وانخراطها في إطار البريكس، منتديات متعددة الأطراف للتعبير عن العزم، وحشد الضغط المؤسسي، وتشجيع التسوية التفاوضية، وبالتالي تجنب العواقب غير المتوقعة للنزاعات المسلحة بين الدول. أخيرًا، تُعيد اتفاقية إثيوبيا الأخيرة مع أرض الصومال بشأن الوصول إلى الموانئ ، والتي تمنح أديس أبابا منافذ مباشرة على البحر الأحمر، تشكيل الحسابات الاستراتيجية من خلال تعزيز قدرات إثيوبيا على بسط نفوذها.
وردًا على ذلك، يمكن لمصر أن تستغل تعاونها الأمني مع الصومال للطعن في مطالب أرض الصومال بالاستقلال الذاتي وإعاقة طموحات إثيوبيا البحرية، وبالتالي خلق شكل من أشكال الاحتكاك الاستراتيجي الذي يتجنب الحرب التقليدية.
تشكل هذه التدابير خطة طوارئ تصعيدية معايرة توازن بين الردع والمشاركة الدبلوماسية والضغط غير المباشر لإدارة نزاع سد النهضة ضمن عتبات المخاطر المقبولة.
صفقة تم التفاوض عليها
إن الخيار الأمثل لمصر لمعالجة أزمة سد النهضة هو السعي إلى إبرام اتفاقية تفاوضية مع إثيوبيا والسودان. وفي هذا السياق، تُدار أحواض الأنهار الدولية، كنهر النيل، عادةً من خلال معاهدات بين الدول المتشاطئة، والتي، على الرغم من جمودها، تُشكل أطراً أساسية للتعاون. وينبغي أن يُركز النهج الدبلوماسي المصري على ضرورة تطوير آلية مؤسسية مشتركة لإدارة موارد المياه المشتركة، بما يُتيح استجابات مرنة وتعاونية للظروف المتغيرة، كاحتياجات التنمية والنمو السكاني وتغير المناخ.
كيف يمكن معالجة حالة الجمود في مفاوضات سد النهضة؟
لقد أثبت النهج التفاوضي عدم فعاليته، وغالبًا ما يبدو وكأنه خطوة للأمام وخطوتان للخلف. فشلت مبادرة إدارة ترامب في عام 2020 في تحقيق تقدم ملموس نحو اتفاق نهائي بين أطراف النزاع. كما فشلت مبادرة حوض النيل لعام 1999 بسبب رفض مصر والسودان لها. وعلى الرغم من هذه المبادرة، لا تزال القضايا السياسية والقانونية المتعلقة بتوزيع المياه واستخدامها عالقة. ونظرًا لصعوبة الخيار العسكري، وعدم وجود حدود مشتركة بين مصر وإثيوبيا، واستمرار الحرب الأهلية في السودان، فمن الممكن استكشاف حلول تفاوضية غير تقليدية تعتمد على دور الجهات المانحة الدولية.
هل يمكن تعويض إثيوبيا عن التداعيات السلبية لسيناريو إطلاق المياه لتخفيف آثار الجفاف، بما لا يضر بمصالح مصر المائية؟
اقترح معهد أبحاث ألماني أن ينظر المانحون الدوليون، كالولايات المتحدة والدول الأوروبية ودول الخليج العربي، في تكاليف الفرصة البديلة التي ستتكبدها إثيوبيا، على غرار القيمة المالية للكهرباء التي لن تتمكن من توليدها. ونظرًا لعدم وضوح البيانات، فإن تحديد هذه التكاليف سيعتمد على المفاوضات السياسية. وبالنظر إلى احتمالية تقلب المناخ، فإن آلية التعويض هذه، التي لن تتحملها مصر على أي حال، ستوفر مرونة في إدارة خزان سد النهضة.
ففي السنوات الممطرة، يمكن لإثيوبيا الاحتفاظ بكمية مياه أكبر مما تم الاتفاق عليه مبدئيًا، مما يقلل من مدفوعات التعويض . ومن جهة أخرى، يمكن لهذه الآلية أن تعوض إثيوبيا خلال فترات الجفاف عندما تحتاج مصر إلى كميات مياه أكبر من المخطط لها. وسيساعد نظام التعويض هذا في إدارة كمية المياه المتبقية في خزان سد النهضة.
https://www.e-ir.org/p/egypts-choices-on-the-grand-ethiopian

